ابن عربي

80

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

أسرارهما ما يختص بها ذلك الموطنان وكان فيه اعتصام ، فإنه قد عم الجنبين والظهر والصدر ، ولا يؤتى على الإنسان إلا من هذه الجهات الأربع وهو الذي قال إبليس حسبما أخبر اللّه تعالى به عنه : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [ الأعراف : 17 ] ، فهذا هو تقليد العصمة لأنّ الحسن البديع مشغل للناظر فيه عن نفسه وعن سواه فيعتصم بلا شك ، وقوله : ما تهوى الذي أهوى ، يقول : لا تتقيد بإرادة أحد لنزاهتها وعلوّ مجدها ومكانتها ، فإن اتفقت الإرادات مني ومنها ، فمن حيث أثرها فيّ ، لا من حيث أثري فيها . وقوله : ولا تف للذي وعدت بصدق الموعد ، يصفها بالعفو والكرم ، والتجاوز ، فإنّ الوعد هنا يريد به الوعيد بالشر فإنّ العرب تقول : وعدته في الخير والشر ، ولا تقول : أوعدته إلّا في الشر خاصة ، فأراد بالوعد هنا الشر والكريم يوصف بالوفاء والخير وخلف الوعد بالشر للتجاوز والعفو ، كما قال : وإني إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فمدح نفسه بالعفو والتجاوز ، وذلك من الكرم العميم والفضل الجسيم . سحبت غديرتها شجاعا أسودا * لتخيف من يقفو بذاك الأسود واللّه ما خفت المنون ، وإنما * خوفي أموت ، فلا أراها في غد يقول بلسان الأدب : إنّ هذه الجارية أرسلت ضفيرة « 1 » شعرها خلفها مثل الحية لتخيف بذلك من يقفو أثرها ، فقال هذا المحب : ما خفت من الموت وإنما أكره الموت من أجل إن مت فلا أراها . القصد من ذلك في باب المعرفة ، يقول : إن هذه المعرفة أرسلت غديرتها يعني الدلائل والبراهين ، وشبهها بالضفيرة لتداخل المقدمات بعضها في بعض كتداخل الضفيرة ، وجعلها سوداء إشارة إلى عالم الجلال والهيبة ، فيخاف السالك أن تحرقه سطوات أنوار الهيبة فيتوقف ، ثم نبه في البيت الثاني بقوله : وما خوفي من الموت ، وإنما خوفي أن يفوتني ما بعده من المشاهدة المتعلقة بهذه النكتة المتغزل فيها ، فتوقفت حتى أحصل من القوى الإلهية والبواعث الربانية ما أقابل به هذا التجلي الجلالي . [ معارج السلوك ] وقال رضي اللّه عنه : سحيرا أناخوا بوادي العقيق * وقد قطعوا كل فجّ عميق فما طلع الفجر إلّا وقد * رأوا علما ، لا يخافون ، نيق « 2 »

--> ( 1 ) الضفيرة : كل خصلة تضفر على حدة ( ج ) ضفائر . ( 2 ) العلم : الجبل .